أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

431

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال الأخفش - في هذا البيت - : « فهذا يجوز على الاضطرار » . وقرأ ابن محيصن أيضا « يعجزونّ » بنون مشددة مكسورة ، أدغم نون الرفع في نون الوقاية ، وحذف ياء الإضافة مجتزئا عنها بالكسرة ، وعنه أيضا فتح العين وتشديد الجيم وكسر النون ، من « عجّز » مشددا . قال أبو جعفر : « وهذا خطأ من وجهين ، أحدهما : أن معنى « عجّزه » : ضعّفه ، وضعّف أمره . والآخر : كان يجب أن يكون بنونين » . قلت : أما تخطئة النحاس له فخطأ ، لأن الإتيان بالنونين ليس بواجب ، بل هو جائز ، وقد قرىء به في مواضع في المتواتر ، سيأتي بعضها . وأما « عجّز » بالتشديد فليس معناه مقتصرا على ما ذكر ، بل نقل غيره من أهل اللغة أن معناه : نسبني إلى العجز ، أو أن معناه : بطّأ ، وثبّط ، والقراءة معناها لائق بأحد المعنيين . وقرأ طلحة بكسر النون خفيفة . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 60 ] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 60 ) قوله : مِنْ قُوَّةٍ . في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه الموصول . والثاني : أنه العائد عليه ، إذ التقدير : ما استطعتموه حال كونه بعض القوة . ويجوز أن تكون « مِنْ » لبيان الجنس . و « رِباطِ » جوزوا فيه أن يكون جمعا ل « ربط » : مصدر : ربط يربط ، نحو : كعب وكعاب ، وكلب وكلاب . وأن يكون مصدرا ل « ربط » ، نحو : صاح صياحا . قالوا : لأن مصادر الثلاثي لا تنقاس . وأن يكون مصدر : « رابط » ، ومعنى المفاعلة : أن ارتباط الخيل يفعله كل واحد لفعل الآخر ، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضا . قال معناه ابن عطية . قال الشيخ : « قوله : مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس ، ليس بصحيح ، بل لها مصادر منقاسة ، ذكرها النحويون » . قلت : في المسألة خلاف مشهور ، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياس ، حتى يرد عليه بالخلاف ، فإنه قد يكون اختار أحد المذاهب ، وقال به ، فلا يرد عليه بالقول الآخر . وقال الزمخشري : « والرباط : اسم للخيل التي تربط في سبيل اللّه ، ويجوز أن تسمى بالرباط ، الذي هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط ، - يعني : بمعنى مربوط - ك « فصيل وفصال » . والمصدر هنا مضاف لمفعوله . قوله : « تُرْهِبُونَ » يجوز أن يكون حالا من فاعل « أعدّوا ، أي : حصّلوا لهم هذا حال كونكم مرهبين ، وأن يكون حالا من مفعوله ، وهو الموصول ، أي : مرهبا به . وجاز نسبته لكلّ منهما ، لأن في الجملة ضميريهما هذا إذا أعدنا الضمير من « بِهِ » على « مَا » الموصولةأما إذا أعدناه على الإعداد المدلول عليه ب « أَعِدُّوا » ، أو على « الرّباط » ، أو على « القوّة » بتأويل الحول ، فلا يتأتى مجيئها من الموصول . ويجوز أن يكون حالا من ضمير « لَهُمْ » ، كذا نقله الشيخ عن غيره ، فقال : « و « تُرْهِبُونَ » قالوا : حال من ضمير « أَعِدُّوا » ، أو من ضمير لهم » . ولم يتعقبه بنكير ، وكيف يصح جعله حالا من الضمير في « لَهُمْ » ، ولا رابط بينهما ؟ ولا يصح تقدير ضمير في جملة « تُرْهِبُونَ » ، لأخذه معموله . وقرأ الحسن ويعقوب ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو « ترهّبون » مضعّفا ، عدّاه بالتضعيف ، كما عدّاه العامة بالهمزة . والمفعول